فصل: الباب الخامس من الكتاب الأول في المعاش ووجوبه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مسائل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» (نسخة منقحة)



.الفصل الثاني والعشرون في لغات أهل الأمصار:

اعلم أن لغات أهل الأمصار إنما تكون بلسان الأمة أو الجيل الغالبين عليها أو المختطين لها ولذلك كانت لغات الأمصار الإسلامية كلها بالمشرق والمغرب لهذا العهد عربية وأن كان اللسان العربي المصري قد فسدت ملكته وتغير إعرابه والسبب في ذلك ما وقع للدولة الإسلامية من الغلب على الأمم والدين والملة صورة للوجود وللملك وكلها مواد له والصورة مقدمة على المادة والدين إنما يستفاد من الشريعة وهي بلسان العرب لما أن النبي صلى الله عليه وسلم عربي فوجب هجر ما سوى اللسان العربي من الألسن في جميع ممالكها واعتبر ذلك في نهي عمر رضي الله عنه عن بطالة الأعاجم وقال إنها خب أي مكر وخديعة فلما هجر الدين اللغات الأعجمية وكان لسان القائمين بالدولة الإسلامية عربيا هجرت كلها في جميع ممالكها لأن الناس تبع للسلطان وعلى دينه فصار استعمال اللسان العربي من شعائر الإسلام وطاعة العرب وهجر الأمم لغاتهم وألسنتهم في جميع الأمصار والممالك وصار اللسان العربي لسانهم حتى رسخ ذلك لغة في جميع أمصارهم ومدنهم وصارت الألسنة العجمية دخيلة فيها وغريبة ثم فسد اللسان العربي بمخالطتها في بعض أحكامه وتغير أواخره وإن كان بقي في الدلالات على أصله وسمي لسانا حضريا في جميع أمصار الإسلام وأيضا فأكثر أهل الأمصار في الملة لهذا العهد من أعقاب العرب المالكين لها الهالكين في ترفها بما كثروا العجم الذين كانوا بها وورثوا أرضهم وديارهم واللغات متوارثة فبقيت لغة الأعقاب على حيال لغة الآباء وإن فسدت أحكامها بمخالطة الأعجام شيئا فشيئا وسميت لغتهم حضرية منسوبة إلى أهل الحواضر والأمصار بخلاف لغة البدو من العرب فإنها كانت أعرق في العروبية ولما تملك العجم من الديلم والسلجوقية بعدهم بالمشرق وزناتة والبربر بالمغرب وصار لهم الملك والاستيلاء على جميع الممالك الإسلامية فسد اللسان العربي لذلك وكاد يذهب لولا ما حفظه من عناية المسلمين بالكتاب والسنة اللذين بهما حفظ الدين وسار ذلك مرجحا لبقاء اللغة العربية المصرية من الشر والكلام إلا قليلا بالأمصار فلما ملك التتر والمغول بالمشرق ولم يكونوا على دين الإسلام ذهب ذلك المرجح وفسدت اللغة العربية على الإطلاق ولم يبق لها رسم في الممالك الإسلامية بالعراق وخراسان وبلاد فارس وأرض الهند والسند وما وراء النهر وبلاد الشمال وبلاد الروم وذهبت أسابيب اللغة العربية من الشعر والكلام إلا قليلا يقع تعليمه صناعيا بالقوانين المتدارسة من كلام العرب وحفظ كلامهم لمن يسره الله تعالى لذلك وربما بقيت اللغة العربية المصرية بمصر والشام والأندلس وبالمغرب لبقاء الدين طلبا لها فانحفظت ببعض الشيء وأما في ممالك العراق وما وراءه فلم يبق له أثر ولا عين حتى إن كتب العلوم صارت تكتب باللسان العجمي وكذا تدريسه في المجالس والله أعلم بالصواب والله مقدر الليل والنهار صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.

.الباب الخامس من الكتاب الأول في المعاش ووجوبه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مسائل:

.الفصل الأول في حقيقة الرزق والكسب وشرحهما وأن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية:

اعلم أن الإنسان مفتقر بالطبع إلى ما يقوته ويمونة في حالاته وأطواره من لدن نشوءه إلى أشده إلى كبره {والله الغني وأنتم الفقراء} والله سبحانه خلق جميع ما في العالم للإنسان وامتن به عليه في غير ما آية من كتابه فقال: خلق {لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} وسخر لكم البحر وسخر لكم الفلك وسخر لكم الأنعام وكثير من شواهده ويد الإنسان مبسوطة على العالم وما فيه بما جعل الله له من الاستخلاف وأيدي البشر منتشرة فهي مشتركة في ذلك وما حصل عليه يد هذا امتنع عن الآخر إلا بعوض فالإنسان متى اقتدر على نفسه وتجاوز طور الضعف سعى في اقتناء المكسب لينفق ما آتاه الله منها في تحصيل حاجاته وضروراته بدفع الأعواض عنها قال الله تعالى: {فابتغوا عند الله الرزق} وقد يحصل له ذلك بغير سعي كالمطر المصلح للزراعة وأمثاله إلا أنها إنما تكون معينة ولا بد من سعيه معها كما يأتي فتكون له تلك المكاسب معاشا إن كانتا بمقدار الضرورة والحاجة ورياشا ومتمولا إن زادت على ذلك ثم إن ذلك الحاصل أو المقتنى إن عادت منفعته على العبد وحصلت له ثمرته من إنفاقه في مصالحه وحاجاته سمي ذلك رزقا قال صلى الله عليه وسلم: «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت» وإن لم ينتفع به في شيء من مصالحه ولا حاجاته فلا يسمى بالنسبة إلى المالك رزقا والمتملك منه حينئذ بسعي العبد وقدرته يسمى كسبا وهذا مثل التراث فإنه يسمى بالنسبة إلى المالك كسبا ولا يسمى رزقا إذ لم يحصل به منتفع وبالنسبة إلى الوارثين متى انتفعوا به يسمى رزقا هذا حقيقة مسمى الرزق عند أهل السنة وقد اشترط المعتزل في تسميته رزقا إن يكون بحيث يصح تملكه وما لا يتملك عندهم لا يسمى رزقا وأخرجوا الغصوبات والحرام كله عن أن يسمى شيء منها رزقا والله تعالى يرزق الغاصب والظالم والمؤمن والكافر برحمته وهدايته من يشاء ولهم في ذلك حجج ليس هذا موضع بسطها ثم اعلم أن الكسب إنما يكون بالسعي في الاقتناء والقصد إلى التحصيل فلا بد في الرزق من سعي وعمل ولو في تناوله وابتغائه من وجوهه قال تعالى: {فابتغوا عند الله الرزق} والسعي إليه إنما يكون بأقدار الله تعالى وإلهامه فالكل من عند الله فلا بد من الأعمال الإنسانية في كل مكسوب ومتمول لأنه إن كان عملا بنفسه مثل الصنائع فظاهر دال كان مقتنى من الحيوان والنبات والمعدن فلا بد فيه من العمل الإنساني كما تراه وإلا لم يحصل ولم يقع به انتفاع ثم إن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة قيمة لكل متمول وهما الذخيرة والقنية لأهل العالم في الغالب وإن اقتنى سواهما في بعض الأحيان فإنما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق التي هما عنها بمعزل فهما أصل المكاسب والقنية والذخيرة وإذا تقرر هذا كله فاعلم أن ما يفيده الإنسان ويقتنيه من المتمولات إن كان من الصنائع فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله وهو القصد بالقنية إذ ليس هناك إلا العمل وليس بمقصود بنفسه للقنية وقد يكون مع الصنائع في بعضها غيرها مثل التجارة والحياكة معهما الخشب والغزل إلا أن العمل فيهما أكثر فقيمته أكثر وإن كان من غير الصنائع فلا بد من قيمة ذلك المفاد والقنية من دخول قيمة العمل الذي حصلت به إذ لولا العمل لم تحصل قنيتها وقد تكون ملاحظة العمل ظاهرة في الكثير منها فتجعل له حصة من القيمة عظمت أو صغرت وقد تخفى ملاحظة العمل كما في أسعار الأقوات بين الناس فإن اعتبار الأعمال والنفقات فيها ملاحظ في أسعار الحبوب كما قدمناه لكنه خفي في الأقطار التي علاج الفلح فيها ومؤنته بسيرة فلا يشعر به إلا القليل من أهل الفلح فقد تبين أن المفادات والمكتسبات كلها أو أكثرها إنما هي قيم الأعمال الإنسانية وتبين مسمى الرزق وأنه المنتفع به فقد بان معنى الكسب والرزق وشرح مسماهما واعلم أنه إذا فقدت الأعمال أو قلت بانتقاص العمران تأذن الله برفع الكسب أترى ألا الأمصار القليلة الساكن كيف يقل الرزق والكسب فيها أو يفقد لقلة الأعمال الإنسانية وكذلك الأمصار التي يكون عمرانها أكثر يكون أهلها أوسع أحوالا وأشد رفاهية كما قدمناه قبل ومن هذا الباب تقول العامة في البلاد إذا تناقص عمرانها إنها قد ذهب رزقها حتى إن الأنهار والعيون ينقطع جريها في القفر لما أن فور العيون إنما يكون بالأنباط والامتراء الذي هو بالعمل الإنساني كالحال في ضروع الأنعام فما لم يكن إنباط ولا امتراء نصبت وغارت بالجملة كما يجف الضرع إذا ترك امتراؤه وانظره في البلاد التي تعهد فيها العيون لأيام عمرانها ثم يأتي عليها الخراب كيف تغور مياهها جملة كأنها لم تكن والله مقدر الليل والنهار.